تتريث مصر في تحديد طبيعة دعمها العسكري المحتمل للسعودية في ظل تصاعد الصراع اليمني والهجمات التي تشنها جماعة الحوثي بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وسط مخاوف من الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع. وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان تجربة التدخل العسكري المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي، حين تكبد الجيش المصري خسائر فادحة. وفي تقرير نشرته صحيفة «باو تين توك» عبر موقع «فيتنام دوت في إن»، يستعرض الكاتب دوافع الحذر المصري والخيارات المتاحة أمام القاهرة لمساندة الرياض، دون الانخراط المباشر في الحرب.
وتأتي هذه التطورات بعدما أعلن مجلس الدفاع الوطني المصري، في 18 أكتوبر، استعداد القاهرة لتقديم «كل الدعم اللازم والممكن للسعودية لحماية أمنها واستقرارها». وفي أعقاب اعتراضات على احتمال التدخل العسكري المباشر، شدد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي على أن أي انتشار محتمل للقوات المصرية سيقتصر على حماية السعودية، لا مهاجمة الحوثيين داخل اليمن. كما دعا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في 22 أكتوبر، إلى التوصل إلى حل سياسي للصراع، فيما كان من المقرر أن يصوت مجلس النواب على مسألة نشر القوات في 26 أكتوبر.
دعم السعودية دون الانخراط المباشر في الحرب
تواجه السعودية هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة تشنها جماعة الحوثي، بالتزامن مع تصاعد المواجهات في اليمن. وتدعم الرياض القوات التابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا في عملياتها ضد الحوثيين، بينما تعزز إجراءاتها الدفاعية لمواجهة الهجمات المتكررة.
وأبدت عدة دول استعدادها للمشاركة في دعم الدفاعات السعودية، فيما نشرت دول أخرى قوات على الأراضي السعودية لهذا الغرض. لكن القاهرة لم تحدد حتى الآن طبيعة المساندة العسكرية التي قد تقدمها، وكررت تأكيدها أنها لا تعتزم المشاركة مباشرة في الهجمات ضد الحوثيين.
وفي حال قررت مصر إرسال قوات، فقد تتولى مهام دفاعية تشمل تشغيل منظومات الدفاع الجوي، والمساعدة في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وحماية المنشآت الحيوية. وقد تشارك كذلك في تأمين السفن العابرة للبحر الأحمر، وتعزيز الأمن في المناطق الحدودية بين السعودية واليمن.
ولا يعني اقتصار المهمة على الدفاع أن نشر القوات في الخارج لا يحتاج إلى إجراءات دستورية؛ إذ يتطلب إرسال الجنود المصريين موافقة مجلس النواب. ويعكس هذا الشرط أهمية القرار، بالنظر إلى تداعياته العسكرية والسياسية المحتملة، لا سيما في ظل تعقيد الصراع اليمني وتشابكه مع التوترات الإقليمية الأوسع.
وتسعى القاهرة، وفقًا للتقرير، إلى تحقيق توازن دقيق بين مساندة حليفها السعودي وتجنب الانخراط في عمليات هجومية قد توسع نطاق المواجهة. فالمشاركة في اعتراض الهجمات وحماية الأراضي والمنشآت السعودية تختلف في حساباتها وتداعياتها عن الدخول في عمليات مباشرة ضد الحوثيين داخل اليمن.
مخاوف التصعيد.. الاقتصاد وذاكرة حرب اليمن
ينبع الحذر المصري أساسًا من رغبة القاهرة في تجنب التورط العميق في صراعات خارجية، خصوصًا في ظل المواجهة الأوسع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران والقوى المتحالفة مع طهران. وقد يؤدي انخراط مصر في هجمات مباشرة ضد الحوثيين إلى جعلها هدفًا للرد من جانب الجماعة أو إيران، بما يفتح جبهة جديدة أمام الجيش المصري ويزيد المخاطر الأمنية المحيطة بالبلاد.
وأظهرت جماعة الحوثي قدرتها على تنفيذ ضربات دقيقة ضد أهداف مدنية وعسكرية مهمة داخل السعودية. وإذا وسعت الجماعة نطاق هجماتها لتشمل السفن العابرة للبحر الأحمر، بما فيها السفن المصرية، فقد تتعرض المصالح الاقتصادية المصرية لضغوط كبيرة.
وتسيطر مصر على المدخل الشمالي لهذا الممر البحري عبر قناة السويس، وتعتمد بدرجة كبيرة على إيرادات عبور السفن. ولذلك، فإن تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر ينعكس مباشرة على دخل الحكومة المصرية من رسوم عبور القناة، ويزيد الضغوط على اقتصاد يعاني بالفعل تحديات متعددة.
وأشار السيسي إلى أن مصر خسرت خلال السنوات القليلة الماضية نحو 20 مليار دولار من الإيرادات المحتملة بسبب عدم الاستقرار الإقليمي، بما في ذلك الهجمات السابقة على السفن في البحر الأحمر والاضطرابات في مضيق هرمز المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
ولا تقتصر المخاطر على تراجع إيرادات قناة السويس؛ إذ قد يؤدي تعطل الإمدادات عبر مضيق باب المندب إلى ارتفاع أسعار النفط، ما يزيد الأعباء على الدول المستوردة للطاقة، ومنها مصر. وبذلك، يصبح التصعيد العسكري في البحر الأحمر تهديدًا مزدوجًا للقاهرة، يجمع بين المخاطر الأمنية والضغوط الاقتصادية.
وتدفع دروس التدخل العسكري المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي إلى مزيد من الحذر. فبعد اندلاع الحرب الأهلية في شمال اليمن عام 1962، أرسلت مصر آلاف الجنود لدعم القوات الجمهورية في مواجهة الملكيين. وعلى الرغم من انتصار الجمهوريين في نهاية المطاف، تكبد الجيش المصري خسائر بشرية كبيرة خلال الحملة العسكرية.
ويرى بعض المحللين أن تلك الخسائر كانت أحد العوامل التي أثرت في جاهزية الجيش المصري قبل حرب عام 1967 مع إسرائيل. ولذلك، لا تزال التجربة اليمنية حاضرة في الحسابات المصرية، باعتبارها مثالًا على التكلفة الباهظة التي قد تترتب على الانخراط في حرب طويلة ومعقدة خارج الحدود.
ويعتقد أحمد دهشان، رئيس تحرير مركز الدراسات العربية الأوراسية، أن ذاكرة الحرب اليمنية تظل عاملًا مهمًا عند تقييم القاهرة إمكانية نشر قواتها مجددًا في المنطقة. ويرجح دهشان أن تركز القوات المصرية، إذا أُرسلت، على الدفاع عن الأراضي السعودية، ولا سيما المناطق الحدودية، في مواجهة أي توغلات محتملة، بدلًا من خوض عمليات هجومية مباشرة داخل اليمن.
ويمنح هذا التصور القاهرة مجالًا لمساندة الرياض عسكريًا مع تقليص مخاطر التصعيد. فالدفاع عن الحدود والمنشآت الحيوية قد يحقق هدف دعم السعودية، دون تكرار تجربة التدخل الواسع الذي خاضه الجيش المصري في اليمن خلال عهد جمال عبد الناصر.
ماذا تحتاج اليمن من شركائها الخارجيين؟
تشارك مصر في التحالف الذي تقوده السعودية لدعم الحكومة اليمنية منذ عام 2015، لكنها اضطلعت بدور محدود في العمليات العسكرية. وفي المقابل، قدمت السعودية والإمارات دعمًا للقوات اليمنية عبر الغارات الجوية والعمليات المنسقة على الأرض.
ومع ذلك، يرى مراقبون أن إرسال قوات أجنبية إضافية ليس بالضرورة الحل الأكثر إلحاحًا أمام الحكومة اليمنية. فاحتياجاتها تشمل دعم الاقتصاد، وتوفير المعدات العسكرية والإمدادات اللوجستية، وتحسين التنسيق بين القوات، وهي عوامل قد تؤثر في قدرتها على مواصلة العمليات بفاعلية أكبر.
ويعتقد محمد القاضي، الخبير اليمني المستقل في الشؤون السياسية والصراعات، أن الحكومة اليمنية تمتلك عددًا كافيًا من القوات المقاتلة، لكنها تحتاج إلى مزيد من الأسلحة والدعم الفني وتطوير قدرات القيادة والسيطرة. ومن هذا المنطلق، قد يكون تعزيز قدرات القوات الموجودة بالفعل أكثر فاعلية من الاعتماد على نشر قوات أجنبية إضافية.
وعن الدور المصري، يشير القاضي إلى أن كثيرًا من اليمنيين لا يزالون يقدرون الدعم الذي قدمته القاهرة للجمهورية خلال الحرب الأهلية في ستينيات القرن الماضي. وقال إن اليمنيين يعتزون بدور مصر ويحترمونه، وإن الجمهورية لم تكن لتصمد، بحسب تقديره، لولا دعم مصر وجمال عبد الناصر. وأضاف أن الحوثيين يدركون أيضًا أهمية الدور المصري في حماية الجمهورية اليمنية آنذاك.
لكنه يستبعد أن يضطلع الجيش المصري في الظروف الحالية بدور مماثل لذلك الذي أداه خلال عهد عبد الناصر، في إشارة إلى اختلاف السياق السياسي والعسكري، فضلًا عن تغير حسابات الأمن القومي المصري والتكاليف المحتملة لأي تدخل جديد.
وتكشف الاعتبارات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب دروس التاريخ، عن صعوبة القرار الذي تواجهه القاهرة. فهي تسعى إلى دعم حليفها السعودي وحماية مصالحها في البحر الأحمر، لكنها لا تريد أن يتحول هذا الدعم إلى مشاركة مباشرة في حرب قد تمتد تداعياتها إلى جبهات أخرى، أو تعرض الاقتصاد المصري لمزيد من الخسائر.
وبناءً على ذلك، ستتوقف طبيعة الدعم المصري ومداه على تقدير المصالح الوطنية والتطورات الإقليمية، إلى جانب شكل التفويض السياسي الذي قد يصدر عن المؤسسات المصرية. وبين الاستعداد للدفاع عن السعودية وتجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، يبدو أن القاهرة تفضل الإبقاء على خياراتها العسكرية ضمن إطار دفاعي، مع التمسك بالحل السياسي باعتباره المسار الأقل تكلفة لإنهاء الصراع اليمني.
https://www.vietnam.vn/en/vi-sao-ai-cap-de-dat-truoc-kha-nang-can-du-vao-xung-dot-yemen

